الشيخ البهائي العاملي

72

الكشكول

قلت : لا يخفى ما فيه من البعد والتعسف « 1 » فإنّ التعبير عن اختيار شق ثالث غير معروف أصلا بمثل هذه العبارة يشبه الرطانة « 2 » كما يشهد به الذوق السليم . فإن قلت : يمكن حمل كلامه ابتداء على بيان الخلاف في البعض أعني الخمسة المتحيرة « 3 » وتخصيصه نقل الخلاف بالخلاف بالبعض ليس بمعنى : أنه لا خلاف في غيرها حتى يكون كاذبا في دعواه ، إذ الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض . قلت : عدم وجدان طريق إلى إثبات ذاتية أنوار الكل إنما يصلح وجها لتخصيص الدليل بالبعض ، لا لنقل الخلاف في البعض ، والقول : بأنه غير كاذب في هذا النقل ، لأنّ الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض ، كلام مموه « 4 » لا يحسن صدوره عن ذي روية ، إذ المحذور ليس لزوم كذب العلامة في هذا النقل ، بل لزوم كون كلامه حينئذ كلاما مرذولا شديد الفجاجة ، كثير السماجة ، ونظيره أن يقول بعض الطلبة : اختلف المعتزلة والأشاعرة في أفعال العباد هل هي صادرة عنهم حقيقة أو كسبا ؟ « 5 » والأصح الأول ، فيقال له : يا هذا الخلاف إنما هو في كل أفعالهم ، فكيف نقلته في بعضها ؟ فيجيب : بأنّ الخلاف في الكل يستلزم الخلاف في البعض ، وإنما نقلت الخلاف في البعض لأنّي لم أجد طريقا إلى إثبات صدور الكل حقيقة ، وهذا كلام لا يرتاب ذو مسكة في تهافته وسخافته ، ومفاسد الكلام غير منحصرة في كونه كاذبا ، بل كثير من مفاسده لا يقصر في الشناعة عن كذبه . فان قلت : في كلام العلامة شواهد كثيرة دالة على أنّ كلامه مختص بالخمس المتحيرة ، « منها » قوله : فان قيل : هذا إنما يصح في الكواكب التي تحت الشمس ، وأما في العلوية إلى آخره ، فإنّ المتبادر من العلوية في مصطلحهم هو ما فوق الشمس ، من السيارات « 6 » لا جميع ما فوقها « منها » ومن الثوابت ، و « منها » أنّ كلامه هذا مذكور في ذيل بيان خسوف القمر واستفادة نوره من الشمس ، وحيث أنه من السيارة فيناسبه ذكر أحوالها لا أحوال بقية الكواكب ومنها أنّ قوله بعيد هذا المبحث : اختلفوا في أنه هل للكواكب لون ؟ والأكثر على أنّ الأظهر ذلك مثل كمودة زحل

--> ( 1 ) تعسف في القول : حمله على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة . ( 2 ) الرطانة : العجمة وعدم الافصاح في الكلام . ( 3 ) المتحيرة : الكواكب السيارة . ( 4 ) كلام مموه : له ظاهر وليس له باطن . ( 5 ) معنى الكسب في اصطلاحهم هو : أنّ اللّه تعالى يخلق الفعل من غير أن يكون للعبد اثر فيه البتة ، لكن العبد يؤثر في وصف كون الفعل طاعة أو معصية . وقيل معناه : إجراء العبد بخلق الفعل عند اختيار العبد . ( 6 ) وقسم العلماء السيارات إلى قسمين ، السيارات السفلى أي التي أفلاكها داخل فلك الأرض ، والسيارات العليا أي التي أفلاكها خارج فلك الأرض وهذا التقسيم في بعض المصطلحات .